رواية حين يزهر القلب الفصل الأول والثاني والثالث والرابع والخامس بقلم نسرين بلعجيلى
المحتويات
يقابل ناس لابسين أقنعة نساء يحاولوا يلفتوا النظر بمظاهر أو كلمات فارغة. لكن ليلى كانت حقيقية.
أسند رأسه على ظهر الكرسي وزفر تنهيدة عميقة.
فيها حاجة مش قادرة أوصفها حاجة بتسحبني ليها من غير ما أقاوم.
جلس كريم يتأمل فنجان القهوة اللي برد من غير ما يلمسه وحاجباه معقودان في تفكير طويل.
هو إيه اللي بيحصلي أنا مش من النوع اللي يفتن بسرعة
أخذ نفسا عميقا وهز رأسه كأنه بيحاول يطرد الفكرة
يمكن لأني قابلتها في ظرف استثنائي الطيارة التعب الزحمة. يمكن عشان أنا بقى لي فترة طويلة وحيد دماغي بتلعب بيا.
حاول يقنع نفسه إن اللي حسه مش أكتر من وهم.
مجرد امرأة عابرة بكرة هتختفي من حياتي زي غيرها.
لكن قلبه ما سكتش. صور ابتسامتها رجعت قدامه نبرة صوتها لما حكت عن أمها المړيضة لمعة عينيها وهي بتبص للشارع من شباك الكافيه.
كل التفاصيل الصغيرة دي حفرت جوه دماغه.
غريبة ليه حسيتها مألوفة ليه حسيت إن بيني وبينها خيط أمان
وقف من مكانه راح للشرفة المطلة على شوارع باريس بص للناس وهي ماشية وحاول يقنع نفسه
أنا راجل ناضج مش هسمح لمجرد صدفة تهزني.
لكن في أعماقه كان عارف إن اللي شافه في عيون ليلى مش صدفة عابرة حتى لو حاول يهرب من الاعتراف بيه.
هو إيه اللي بيحصل لليلى وكريم
هل طبيعي إن قلبين يتقابلوا بالصدفة ويتهزوا بالشكل ده
هل ممكن انجذاب يتولد من نظرة من ابتسامة من كلمة عابرة
الناس تقول إن الحب محتاج وقت محتاج حكايات طويلة وتفاصيل عميقة.
لكن أحيانا في لحظة واحدة تلاقي روحك بتتعرف على روح تانية كأنها عايشاها من قبل.
مش محتاجين شهور ولا سنين محتاجين صدق اللحظة.
يمكن اللي بينهم مش حب بعد لكنه انجذاب ناضج مش طيش شباب ولا اندفاع مؤقت.
ده شعور مختلف فيه حنان ودفء وفيه رهبة كمان.
كريم بعد خمسين سنة من الوحدة والتجارب وليلى بعد أربعين سنة من التعب والخذلان الاتنين حسوا إن في باب اتفتح.
فهل دي صدفة ولا رسالة من القدر إن القلوب مهما كبرت أو تعبت تقدر تزهر من جديد
حين يزهر القلب
الحلقة الثالثة الغياب
خطوات ليلى كانت واثقة وهي خارجة من باب الأوتيل حقيبتها في إيدها وفستانها الأنيق بيتهز مع نسمة هواء باريسية منعشة. قلبها كان بيقول لها إنها داخلة يوم مهم يوم يثبت إنها قد المسؤولية.
ركبت التاكسي واتجهت لدار الأزياء. طوال الطريق عينيها بتجري على شوارع باريس المحلات الفخمة الوجوه الأنيقة والبنايات العتيقة. باريس مش مجرد مدينة باريس كأنها مسرح كبير وكل واحد ليه دور بيلعبه.
وصلت لمقر الدار مبنى أنيق بواجهات زجاجية تعكس نور الشمس. في الداخل تصاميم بتلمع بألوان مختلفة ووجوه مصممين عارضات أزياء ومساعدين بيتحركوا في كل اتجاه. ليلى أخذت نفس عميق ومدت يدها بالملفات اللي جابتها.
أنا هنا عشان أثبت نفسي عشان أثبت إن المدير ما غلطش لما اعتمد علي.
دخلت قاعة اجتماعات واسعة فيها جدران مزينة بصور حملات أزياء عالمية. بدأت تعرض الموديلات اللي جابتها صوتها هادي لكن ثابت. نظرات بعض المصممين كانت متفحصة كأنهم بيختبروا مش بس التصاميم لكن حضورها هي كمان.
وفي لحظة شرود وهي بتقلب أوراقها خطړ على بالها كريم. ابتسمت بخفة ثم استدركت بسرعة لا ركزي ده يومك.
جلست ليلى في ركن هادئ جنب دار الأزياء مكان صغير للمأكولات السريعة لكنه أنيق طاولة مطلة على ناصية شارع باريسي مع بيوت منحدرة ونوافذ مزروعة بأزهار. اختارت سلطة دافئة مع قطعة سمك مشوي وكوب شاي أخضر وجبة بسيطة لكنها مرتبة عشان تستعيد تركيزها قبل ما ترجع للعمل.
كانت تحاول تقطيع طعامها ببطء لكن الهاتف رن. اسم والدتها ظهر على الشاشة. نفس الصوت اللي كان يقسم حياتها بين واجبات وقلق وحنان. ردت بحب
ألو يا ماما كل سنة وإنت طيبة.
صوت الأم فيه تعب واضح
يا حبيبتي الولد عمر مش بيسمع مني خالص دايما مقفول ومش بيرد على التليفون ومريم قاعدة مع أصحابها طول اليوم وما بتدخلش البيت إلا متأخرة.
ليلى حست برعشة في صدرها عادة كانت تسمع الشكاوى بصبر وتلقى حل لكن اليوم كان عندها طاقة أقل للجلوس في موقع الأم الدائمة.
حاولت تهدي الموقف
ما تقلقيش يا ماما أنا هكلمهم ساعة ما أرجع. إنت ارتاحي شوية.
الأم ردت بحنان وخوف
مش عارفة يا ليلى أنا لوحدي هنا ساعات بحس إني تايهة.
ليلى سكتت دقيقة شافت في المرايا الصغيرة صورة الأم في شاشة الهاتف تربطها بماضيها كله سنوات تربية تنازلات أمان معطى بدون حساب. فجأة حست ثقل كل السنين دي وبعدها صوت داخلي قال لها حاجة مختلفة
فتنفست بعمق وردت بحزم رقيق
يا ماما أنا طول عمري عايشة لولادي. دلوقتي أنا في باريس شغل ومهمتي مهمة. بوعدك أكلمهم بعد الشغل. بس الأسبوع ده أنا هعيش لي شوية. فهمتي
سمعت نفسها تقولها بصوت أوضح من المعتاد. الأم من الجهة التانية سكتت ثم قالت بصوت مملوء بالحب والارتباك
ماشي يا قلبي ربنا معاك. ولا تنسي تاكلي.
قفلت الخط وحست بمزيج من الذنب والارتياح. وقفت ليلى تنظر للشارع ولشجرة صغيرة قدامها وفهمت إن القرار اللي نطقته مش ترف هو فعل بسيط لاسترجاع جزء منها. همست لنفسها بصوت خاڤت
أنا طول عمري عايشة لولادي الأسبوع ده هعيش لي وبس.
الجملة دي ما كانتش رفض للمسؤولية لكنها تعهد صغير للنفس أسبوع من الاهتمام بالذات مش تهرب لكن تعمير قدرات. قررت ترجع للعمل بطاقة مختلفة تكمل عرضها بدقة تسمح لنفسها بابتسامة وتقبل أن تطلب لحظة لنفسها من وقت لوالدتها وأولادها.
رجعت إلى دار الأزياء دخلت القاعة بتأن قدمت ما عليها بكل احتراف الناس لاحظوا الحضور والهدوء اللي معاها. في داخلها كانت الصورة أوضح أم موظفة امرأة تستحوذ على قدر من حقها في الحياة.
وبينما الغروب بدأ يرسم خيوطه على زجاجات العرض وعروض اليوم انتهت خرجت من المبنى قلبها فيه شعور غريب مزيج من الإنجاز والتمكين. شغلت هاتفها تاني تتأكد إن أمها بخير ثم رفعت رأسها لتجد أمامها مساء باريس الجسور الأنوار وكانت تعرف إن اللحظة اللي بعدها ممكن تغير كل شيء.
أما كريم فكان يجلس في مكتبه الزجاجي المطل على نهر السين. أوراق متناثرة على الطاولة وموظفون يدخلون ويخرجون حاملين ملفات لكنه كان غايب عن كل ده. كل مرة يمد إيده للفنجان ضحكة ليلى في الكافيه ترجع ترن في ودنه.
ليه ضحكتها ما بتفارقنيش ليه حسيت إنها مألوفة قوي
مد إيده للورق لكنه من غير قصد لقى نفسه يكتب اسمها في نوت صغيرة ليلى. ابتسم بسخرية وقال بهمس
أنا اټجننت ولا إيه
قطع شروده إشعار بمكالمة فائتة. الټفت للهاتف وشاف اسم طليقته. زفر تنهيدة عميقة وضغط على زر الاتصال.
.
ألو يا ندى إزيك والأولاد عاملين إيه
ردت ببرود فيه شيء من التعب
الأولاد بخير بس المصاريف بقت صعبة يا كريم. عمر داخل الجامعة ونورا محتاجة دروس خصوصية وأنا شايلة كل ده لوحدي.
شد على أسنانه لكنه قال بهدوء
أنا مش سايبك لوحدك يا ندى. من أول يوم اتفقنا إن المسؤولية مشتركة. صحيح إحنا اتطلقنا بس أنا ما
متابعة القراءة