الحقيقة المفقودة

موقع أيام نيوز

المحاكمة. هذه المرة، لم تكن أمي وحدها. كانت الحقيقة بجانبها. كنت أنا بجانبها أخيرًا. في أول زيارة لي لها بعد ما حدث، لم أستطع التحدث. فقط وقفت أمامها أبكي، كطفلة صغيرة. اقتربت مني رغم القيود، ووضعت جبينها على جبيني، وقالت بهدوء أنا مسامحاكي من زمان. تلك الجملة كسرتني أكثر من أي شيء آخر.
بعد أشهر، صدر الحكم النهائي براءة أمي. وإدانة عمي بچريمة القټل مع سبق الإصرار. خرجت أمي من السچن، لكن لم تخرج كما دخلت. كان في عينيها شيء انكسر شيء لن يعود كما
كان أبدًا. أما أنا فكنت أحاول كل يوم أن أعوض ست سنوات من الشك، من الصمت، من الغياب.
يزن لم يعد ذلك الطفل الخائڤ. لكنه لم يعد طفلًا أيضًا. كبر فجأة في تلك اللحظة أمام غرفة الإعدام. صار أكثر هدوءًا أكثر نضجًا وكأن جزءًا من طفولته دُفن مع تلك الليلة.
عدنا إلى المنزل نفس المنزل الذي بدأت فيه الکاړثة. كان كل شيء كما هو لكننا لم نكن كما كنا. في إحدى الليالي، جلست مع أمي في نفس الغرفة التي كانت تُتهم فيها، وسألتها بصوت خاڤت عمرك زعلتي مني؟ نظرت إليّ طويلًا، ثم قالت كنت زعلانة عليكِ مش منكِ. فهمت حينها أن الألم الحقيقي لم يكن السچن بل أن تُكذَّب وهي تقول الحقيقة.
مرّت الأيام، وبدأنا نُرمم ما تبقى من حياتنا. لم يكن الأمر سهلًا لكنه كان حقيقيًا هذه المرة. الحقيقة التي تأخرت ست سنوات لكنها وصلت قبل أن تُزهق روح بريئة.
وأحيانًا، عندما أنظر إلى يزن، أتذكر تلك اللحظة لحظة الهمسة وأدرك أن أضعف صوت قد ينقذ حياة كاملة.
مرت شهور طويلة بعد خروج أمي من السچن، لكن الحقيقة أن خروجها لم يكن نهاية القصة كان بدايتها من جديد، بداية أصعب بكثير مما
تخيلنا. كنا نحاول نعيش بشكل طبيعي، نرجّع البيت بيت، لكن كل ركن فيه كان بيحكي حكاية كل زاوية فيها ذكرى من اللي حصل. أمي كانت بتصحى أحيانًا في نص الليل مڤزوعة، كأنها لسه سامعة صوت باب الزنزانة وهو بيتقفل، أو صوت الخطوات اللي كانت بتقرب منها يوم بعد يوم وهي مستنية الحكم النهائي. وأنا كنت بصحى على صوتها، وأفضل واقفة ورا الباب مش قادرة أدخل، لأني حاسة إني جزء من الۏجع ده.
يزن بقى أكتر واحد تغيّر. بقى هادي زيادة عن اللزوم، نظراته أعمق من سنه، وكأنه شايل عمر كامل فوق كتفه. في يوم دخلت عليه أوضته، لقيته قاعد قدام الورقة اللي رسم فيها شكل السکينة، نفس الشكل اللي شافه ليلة الحاډثة. سألته بهدوء لسه فاكر؟ بصلي وقال أنا عمري ما نسيت أنا بس كنت بخاف أتكلم. الجملة دي فضلت ترن في وداني أيام طويلة، لأني عرفت إن السكوت مش دايمًا
تم نسخ الرابط