رواية وهم الرجوع الفصل التاسع عشر بقلم روما عيسي
الفصل التاسع عشر الفرصة الأخيرة
جلس يوسف في صالة المنزل محاطا بصمت ثقيل يشبه الفراغ الذي تركته رحيل وراءها. عيناه تجولان في المكان وكأنهما تبحثان عنها بين الأثاث والذكريات. تذكر ضحكتها التي كانت تملأ أرجاء هذا البيت كيف كانت تمر بجواره فتلقي عليه نظرة عابرة تختبئ خلفها آلاف الكلمات. كيف كانت تضع ابنتهما الصغيرة على الأريكة وتلعب معها وكيف كان المنزل ينبض بالحياة بوجودهما.
الآن كل شيء ساكن. المكان بارد بشكل غريب رغم أن النوافذ مغلقة والستائر مسدلة. مرر يده على الأريكة حيث كانت تجلس ثم على الطاولة التي كثيرا ما تركت عليها كوب قهوتها نصف ممتلئ. كان يريد أن ېصرخ أن يعيد الزمن إلى الوراء ليصلح كل شيء قبل أن ينهار بهذه الطريقة لكنه فقط تنهد بعمق وكأن الهواء نفسه صار ثقيلا على صدره.
رفع هاتفه حاول الاتصال بها مرة أخرى لكن كالمعتاد لا رد. زفر بضيق وأعاد الهاتف إلى الطاولة. أين يمكن أن تكون
في تلك اللحظة تذكر آخر مرة كان يجلس معها هنا عندما نظرت إليه نظرة طويلة دون أن تقول شيئا وكأنها كانت تودعه دون أن يدري. لم يدرك وقتها أن تلك النظرة كانت تحمل كل ما لم تستطع قوله.
تسللت إلى ذاكرته لحظة دافئة بينهما حينما كانا في أحد الأيام الممطرة جلست رحيل بجواره على الأريكة التفتت إليه وقالت بابتسامة ناعسة إنت عارف إني بحس بالأمان وأنا جنبك ضحك وقتها ومسح كفها براحة يده قائلا وهفضل دايما أمانك يا رحيل. لكن الآن هو لم يعد يشعر بالأمان حتى مع نفسه.
مرر يده على وجهه شعر بتعب لم يشعر به من قبل. ماذا لو كانت هذه النهاية حقا
في مكان آخر جلست رحيل على الأريكة في منزل صديقتها ليلى عيناها منتفختان من كثرة البكاء ويدها لا تزال ترتجف. كانت ليلى تجلس بجوارها تمسك بيدها في محاولة لطمأنتها لكن الكلمات كانت عاجزة عن مداواة الچرح العميق الذي تشعر به رحيل.
مش مصدقة يا ليلى.. مش قادرة أستوعب اللي حصل.. نطقت رحيل بصوت متقطع وكأنها تكافح من أجل التنفس.
وضعت ليلى يدها على كتفها برفق حبيبتي اهدي.. أنا معاكي إحكيلي بالراحة.
ابتلعت رحيل ريقها بصعوبة ثم همست بصوت متهدج كنت حاسة إنه بيخبي عني حاجة.. بس عمري ما تخيلت إنها تكون دي! يوسف.. يوسف كان مع يارا وبيخططوا يرجعوا لبعض! أنا كنت مجرد محطة عبور في حياته!
نظرت إليها ليلى بعينين تمتلئان بالڠضب والحزن من أجلها لكنها لم تجد ما تقوله. فقط احتضنتها تاركة لها مساحة للبكاء أكثر لأن بعض الأحزان لا تحتاج لكلمات فقط تحتاج لمن يشعر بها.
لكن رحيل لم تكن قادرة على التوقف عن الكلام وكأنها تحاول استيعاب الصدمة بصوتها كنت بقول يمكن أنا ظلمته.. يمكن شكوكي