رواية حين يزهر القلب كامله بقلم نسرين بلعجيلى

موقع أيام نيوز

أنا ما طلقتش أولادي. أنا معاكي خطوة بخطوة.
بس الحقيقة إني اللي قاعدة معاهم طول الوقت أنا اللي بتابع أنا اللي بسمع شكواهم وإنت مش موجود غير بالفلوس.
كان صوتها مليان عتاب.
كريم أطرق للحظة ثم رد بنبرة صادقة
الفلوس مش كفاية وأنا عارف. عشان كده بحاول أكون حاضر معاهم بأي شكل أقدر. يمكن ما بقدرش أبقى معاهم جسديا كل يوم لكن عمري ما تخليت عنهم. اسأليهم بنفسك عمري ما قلت إني مشغول لدرجة أنسى أولادي.
سكت لحظة ثم أضاف بجدية
ندى أنا مقدر كل اللي بتعمليه ومش ناكر تعبك. بس من فضلك ما تحاوليش تحسسيني إني غريب عنهم. أنا أبوهم وهفضل أبوهم مهما كانت بيننا خلافات.
ندى من الناحية التانية سكتت كأنها حست بثقل كلماته. وبصوت أخف قالت
يمكن عندك حق بس أنا تعبت يا كريم.
وأنا كمان ندى. بس هنكمل. مش عشان نفسنا عشانهم.
أنهى المكالمة وأسند ظهره على الكرسي. نظر إلى صور أولاده المحفوظة في إطار على مكتبه. ابتسم بحنان وقال لنفسه
أنا مش هكون زي أي أب يسيب أولاده بعد الطلاق. أنا هافضل معاهم مهما حصل.
كريم بعد المكالمة حس إنه مثقل بالمسؤوليات لكن صورة ليلى وهي بتضحك في الكافيه رجعت تنور في ذهنه زي نسمة هواء وسط زحمة الحياة.
مع حلول المساء ليلى خرجت من دار الأزياء مرهقة لكنها راضية. وقفت عند باب المبنى تدور على تاكسي. رفعت يدها وفجأة قلبها اتخطف كأن في طاقة مألوفة حواليها. التفتت ببطء
وعلى بعد خطوات كان كريم واقف معطفه داير حوالين كتفه وعيونه وقعت عليها من وسط الزحام.
الزمن اتوقف. الناس بتعدي العربيات بتهون لكن المسافة بينهم بقت كأنها جسر نور.
ليلى حست قلبها يدق أسرع مش خوف لكن دهشة.
وكريم بابتسامته الهادية حس إنه أخيرا لقى المشهد اللي كان مستنيه طول النهار.
اقترب خطوة وهي ابتسمت بخجل وكأن القدر بيقول لهم
حتى لو حاولتوا تهربوا القلوب اللي متشابهة هتلاقي بعض.
وهنا أسدل الليل ستاره على باريس والأنوار انعكست على عيونهم. لحظة قصيرة لكنها كانت كافية تسيب أثر عميق في الروحين.
كان كل واحد فيهم داخل يومه وهو بيحاول يعيش لنفسه
ليلى قالت إنها لأول مرة هتدي عمرها حقه وكريم أكد لنفسه إنه أب مش هيتخلى عن أولاده.
لكن في اللحظة دي تحت أنوار المدينة الاتنين اكتشفوا إن الحياة مش دايما بتديك فرصتين أحيانا بتديك صدفة واحدة تكشفلك معنى جديد.
يمكن الغياب علمهم قيمة الوجود.
ويمكن القدر وهو بيجمعهم وسط زحام باريس كان بيهمس بهدوء
حتى بعد التعب بعد التجارب بعد العمر الطويل لسه في وقت للقلب إنه يزهر من جديد.
حين يزهر القلب
الحلقة الرابعة موعد مع المدينة
ثواني الصمت بين ليلى وكريم على الرصيف امتدت كأنها هدنة مع الدنيا. باريس حواليهم بتتنفس ليل أنوار ذهبية موسيقى بعيدة ورائحة خبز طازة طالعة من مخبز في آخر الشارع.
قال كريم بصوت منخفض
تسمحي أوصلك للأوتيل
ترددت لحظة ثم أومأت بابتسامة خجولة
لو مش هتتعبك.
مشى جنبها بخطوة هادية محافظا على مسافة فيها احترام ودفء في نفس الوقت. ما كانش محتاج يقرب علشان يطمنها حضوره نفسه كان طمأنينة.
مروا على واجهات محلات مقفولة وجاليريهات صغيرة لسه نوافذها منورة. ليلى كانت تسمع وقع خطواتهم المتناغمة على الرصيف وتحس إن الإيقاع ده لوحده موسيقى تكفي الليلة.
سألها بلطف
اليوم كان طويل
جدا بس حلو. حسيت إني واقفة في مكاني الصح.
كنت متأكد.
التفتت له باستغراب رقيق
متأكد إزاي
عشان في عينك نظرة حد يعرف قيمته حتى لو لسه بيسترجعها.
سكتت ليلى والابتسامة وسعت شوي. الهواء البارد حرك خصلة من شعرها على خدها. توقف كريم لحظة أشار بإيده من غير ما ېلمس
مسموح
أومأت. بحركة خفيفة قرب الخصلة لورا. لمست أصابعه الهواء قريبا من جلدها ومرت رعشة حلوة كأن اللحظة نفسها قالت انتبهوا في حاجة بتتخلق هنا.
وصلوا لشارع أوسع. أشار كريم لتاكسي جاي من بعيد وفتح لها الباب قبل ما تقول كلمة. جلست وهو لف للناحية التانية وقعد جنبها. ظلال باريس انعكست على زجاج النافذة وبرج إيفل بدأ يطل من بين البنايات كأنه بيتفقد ضيوفه.
قالت ليلى وعينيها على المدينة
باريس بالليل شبه وعد ما يتحكيش يتعاش.
ابتسم كريم
والوعد أحيانا بيتحقق لما نكون جاهزين نستقبله.
السواق سأل عن الوجهة. ردت ليلى
Pullman Tour Eiffel.
هز كريم راسه موافقا وكأنه حافظ الطريق مش بس بالحجر لكن بالذكريات اللي ممكن تتكتب فيه.
الرحلة كانت قصيرة لكن مشاعرها طويلة. حكى هو جملتين عن النهار اجتماع مكالمة مع الأولاد تعب خفيف على الكتف. ما دخلش في تفاصيل بس طريقته قالت كل اللي محتاج يتقالراجل مسؤول ناعم من جوه وحاضر من غير استعراض.
هي حكت عن العرض عن اللحظة اللي وقفت فيها قدام المصممين وعن صوت صغير جواها قال أنت قدها.
قال ببساطة صادقة
وأنت فعلا قدها.
التاكسي وقف قدام مدخل الأوتيل. السلالم الرخامية بتلمع والنخيل الداخلي بيتراقص على نسمة دافية طالعة من اللوبي. نزل كريم الأول مد إيده يساعدها تنزل. لمست يدها إيده ثواني ثواني بس لكنها كانت كافية تخلي الوقت يبطئ.
دخلوا اللوبي. ريحة زهور بيضا صوت بيانو رقيق جاي من بعيد وسقف عالي يتلألأ. وقفت ليلى عند المصعد التفتت له
شكرا على التوصيلة.
الشكر ليك على الصحبة.
سكت لحظة كأنه يختار مكان الكلمة جوه بين القلب والعقل ثم قال بثبات دافئ
لو ما عندكش مانع نتعشى سوا الليلة مكان بسيط على النهر. وعد هتبقي ليلة خفيفة.
نظرت له ليلى. جواها صوتين واحد حذر بيحصي المسافات وواحد تاني طفولي بيلمح للمدينة ويقول عيشي.
قالت بابتسامة هادية فيها قبول جميل وراحة
موافقة.
اترسم الارتياح في عينيه
تمام. تغيري وترتاحي شوية أقابلك تحت بعد ساعة
بعد ساعة.
المصعد فتح. دخلت وهو فضل واقف عند الباب لحد ما اتقفل يلوح بإيماءة قصيرة. انعكس وجهه على مرايا المصعد لحظة فحست إن القدر ختم على المساء بختم طمأنينة.
في غرفتها وقفت ليلى عند الشرفة. برج إيفل قدامها كأنه بيلبس بدلة من نور. همست وهي تحط إيديها على السور
ليلة تتعاش مش تتحكي.
وتحت في اللوبي كان كريم بيبص للساعة مش استعجال بل شوق ناضج. شوق راجل اتعلم يستنى الحاجة الحلوة وهي جاية في ميعادها.
بعد ساعة نزلت ليلى من الأوتيل. كانت لابسة فستان أسود أنيق بسيط لكنه راق مع حذاء بكعب متوسط ولمسة خفيفة من العطر. شعرها المنسدل على كتفيها بيتموج مع خطواتها وعينيها فيها بريق ليل باريس.
كريم كان واقف في اللوبي لابس بدلة رمادية داكنة وربطة عنق بسيطة. أول ما شافها اتسعت ابتسامته بهدوء مش ابتسامة مبالغ فيها ابتسامة راجل شاف قدامه حاجة حقيقية تستحق التأمل.
مساء الخير.
مساء النور.
خرجوا سوا وساروا باتجاه نهر السين. المدينة كلها كانت متلألئة والأنوار بتتمرجح على سطح المية كأنها آلاف الشموع الموزعة. وصلوا إلى مطعم صغير وأنيق على ضفة النهر طاولاته متفردة وعلى كل طاولة شمعة داخل كأس زجاجي شفاف. موسيقى الجاز كانت بتتسلل بخفة من فرقة صغيرة في الركن ناعمة دافية مزيج من الساكسفون والبيانو.
جلسوا على طاولة قريبة من الشباك
تم نسخ الرابط