رواية حين يزهر القلب كامله بقلم نسرين بلعجيلى

موقع أيام نيوز

الكبير المطل على النهر. الجرسون قدم لهم القوائم لكن ولا واحد فيهم استعجل يختار. كانوا مشغولين باللحظة أكتر من الأطباق.
كريم نظر إليها بتركيز ثم قال
عارفة باريس دايما جميلة بس الليلة شكلها مختلف.
ضحكت بخجل
يمكن عشان شايفها بعين جديدة.
أو يمكن عشان قاعد قدامي شخص بيخلي كل حاجة تبدو أبسط وأجمل.
نظرت له ليلى قلبها ارتبك لكن عقلها حاول يهديها هو بيتكلم عادي بس ليه كلماته محسوبة على قلبي
بدأوا يتكلموا في تفاصيل صغيرة. هي حكت له عن أول مرة سافرت بره بلدها إزاي كانت تايهة ومتوترة وإزاي دلوقتي بقت أقوى رغم كل حاجة. هو حكى لها عن يوم صعب مر عليه في شغله إزاي اتعرض لضغط ومشاكل لكنه قرر يواجه عشان يحافظ على الفريق اللي وراه.
الجرسون جاب لهم العشاء شرائح سلمون مشوي مع صوص ليمون وسلطة طازجة. كأسين من عصير العنب الأحمر غير الكحولي. أطباق بسيطة لكن اتقدمت كأنها لوحة.
رفعت ليلى شوكتها وقالت بابتسامة
أنا مش فاهمة إزاي ليلة واحدة تقدر تخليني أحس إني عايشة فيلم.
ضحك كريم بخفة
يمكن لأن اللحظة الحقيقية أهم من ألف فيلم.
سكتوا لحظة والأنظار تلاقت فوق ضوء الشموع. مفيش كلام كان محتاج يتقال العيون وحدها قالت إن في خيط رفيع بيتكون بينهم خيط صادق وهادئ زي النهر اللي بيجري قدامهم.
بعد العشاء وقف كريم وقال
تعالي لسه في مشهد الليلة ما اكتملش.
ليلى رفعت حاجبها بدهشة خفيفة
لسه في إيه
ابتسم بثقة رقيقة
هنشوف باريس من فوق.
ومشوا سوا باتجاه برج إيفل والمدينة كلها كأنها بتفرش لهم السجاد من نور.
وصلوا إلى برج إيفل والأنوار بتلمع كأنه عريس في ليلة زفافه. الناس متجمعين حواليه كاميرات بتصور ضحكات متداخلة بلغات مختلفة لكن ليلى حست إن الضوضاء دي كلها مجرد خلفية وإن اللحظة دي معمولة ليهم هما بس.
وقفوا في طابور قصير كريم اشترى التذاكر بسرعة وهو يلمح لها بابتسامة مطمئنة
ولا تشيلي هم حاجة الليلة دي عليا.
ركبوا المصعد الزجاجي. كل ما المصعد يطلع المدينة تحتهم كانت بتصغر وتتحول لبقع من نور. ليلى شبكت إيديها في بعض قلبها بيترعش من رهبة الارتفاع ومن حاجة تانية أعمق. كريم لمح توترها فمال ناحيتها وقال بهدوء
مټخافيش أنا هنا.
الجملة دي البسيطة نزلت جواها زي وعد أمان كأنها سمعتها من شخص كان لازم يقولها من زمان.
وصلوا للمنصة العليا. المنظر كان ساحر باريس كلها ممدودة تحتهم زي لوحة مضيئة نهر السين ملتف زي شريط من حرير والكباري منورة زي عقود ألماس.
ليلى وقفت تلتقط أنفاسها
يا الله كأننا شايفين الدنيا من قلب السماء.
كريم وقف جنبها نظر ليها قبل ما ينظر للمدينة. ابتسم ابتسامة هادية وقال
المنظر حلو بس مش أجمل من اللحظة.
التفتت له ضحكت بخجل
أنت دايما عندك طريقة تخلي الكلام يوجع حلو.
مش كلام إحساس. عارفة في عمري ده ما بقيتش أفتش عن انبهارات سريعة. الليلة دي أنا بس شايف إن ربنا بيديني هدية ما كنتش متوقعها.
وقفت ليلى صامتة عينيها تلمع مع أضواء المدينة. هي عاشت كتير وسط تعب وسط مسؤوليات وسط خوف من بكرة لكن الليلة قلبها قالها لسه في وقت للحب.
مد كريم إيده بهدوء ما لمسش إيديها بس خلاها قريبة منه كأنه بيستأذن من غير كلام. ليلى اترددت ثواني وبعدين بهدوء سلمت إيديها لإيده. كانت أول لمسة صريحة لمسة ما فيهاش طيش ما فيهاش استعجال. لمسة أمان.
سكتوا بس السكون كان أعمق من أي حوار. نسمة هواء عليلة مرت والأنوار كل ساعة فجأة اڼفجرت حوالين البرج أضواء لامعة بتبرق كأنها نجوم بترقص على جدران الحديد. الناس صرخوا منبهرين لكن ليلى وكريم كانوا عايشين انبهار من نوع تاني انبهار باللي بيحصل جوا قلوبهم.
همست ليلى بصوت واطي كأنها بتكلم نفسها
أنا كنت فاكرة إن العمر جري وإن الحاجات دي خلاص مش ليا.
رد كريم من غير ما يسيب إيدها
العمر الحقيقي بيبدأ لما القلب يقرر يزهر وأظن لحظتنا دي هي البداية.
وقفت ليلى تبص له ملامح وجهه انعكست على أضواء باريس. لأول مرة من سنين طويلة حست إن في راجل قدامها مش بس عايز يقرب لكن قادر يحمي يحتوي ويعيش معاها رحلة مش ناقصة حاجة.
ولما نزلوا من البرج باريس ما كانتش مجرد مدينة في نظرهم كانت شاهدة على وعد غير معلن وعد إن الحياة لسه بتدي فرصة وإن القلوب الكبيرة لسه ممكن تلاقي بعضها.
وسط أضواء برج إيفل اللي بترقص زي نجوم قريبة وقف كريم قدام ليلى عيونه ثابتة في عينيها. كان ماسك إيدها مش بقوة لكن بالقدر اللي يقول إنه مش ناوي يسيبها.
قال بصوت هادي لكنه مليان صدق
ليلى أنا مش عايز اللحظة دي تفضل مجرد ذكرى. مش عايز تبقى صدفة ونفتكرها بعدين ونمشي.
اتسعت عينيها بدهشة قلبها خبط أسرع. هو كمل نبرته أعمق
أنا عايز نعيش اللحظات دي ونخلق زيها تاني. يمكن اتأخرنا يمكن تعبنا بس يمكن ده معناه إننا مستعدين أكتر من أي وقت. إيه رأيك ندي نفسنا فرصة
ليلى حست دمعة صغيرة تتحبس في عينها. ابتسمت بخجل وصوتها ارتعش وهي ترد
أنت عارف أنا طول عمري مستنية حد يقولي الكلام ده بس كنت فاكرة خلاص انتهى الوقت.
قرب منها خطوة وقال بحزم دافئ
الوقت بيبدأ من دلوقتي. تعالي نختار نعيش.
سكتوا لحظة لكن عيونهم إتكلمت. لمة إيدهم بقت وعد صامت ووعدهم اتكتب في قلب باريس
الحب الحقيقي ما يعرفش عمر يعرف لحظة صادقة بس.
يمكن الشباب يديك اندفاع لكن النضج يديك معنى.
ومعنى الحب الحقيقي إنك تلاقي حد يديك أمان وانت مش محتاج تشرح ليه.
وفي اللحظة دي وسط زحمة باريس ليلى وكريم فهموا
مش مهم إمتى بيجي الحب المهم إنه لما بيجي بيكون هو الصح.
حين يزهر القلب
الحلقة الخامسة وعد العمر
المساء كان باردا بهدوء لكن الشوارع لسه دافية من يوم باريس الطويل. ليلى وكريم ماشيين جنب بعض على رصيف مطل على النهر والأنوار بتلمع على المية كأنها طرقات من نور. الراحة كانت باينة في خطواتهم مش محتاجين كلام كتير عشان يحسوا إنهم سوا.
بعد لحظات صمت حلوة كسرها كريم بصوت منخفض وهادئ
أنتى احساسك إيه دلوقتي عنا عن اللي بينا
ليلى نظرت للمية اللي قدامهم وللحريق الخفيف في عينيه اللي انعكس عليها
بحس بخطۏرة الكلام ده. عارفة إن اللي حصل بينا مش صدفة بس ساعات بخاف. بنسأل نفسنا هل ده حب ولا إعجاب هل إحنا بنغلط لو دخلنا في حاجة جديدة بعد كل اللي عدينا
ابتسم كريم بابتسامة فيها لون من الرقة ومشى خطوة أقرب كأنه بيحاول يختصر المسافة بين قلبها وخۏفها
إحنا مش أول ناس في الدنيا بتسأل السؤال ده. لكن اللي اتعلمناه من سنينا نقدر نفرق. نعرف نميز بين شعور عابر مولع بسرعة وبين إحساس عميق بيثبت ويتغذى بالوقت.
التفتت ليلى ليه بعيون فيها ريبة وفضول مع بعض
طب وإنت إنت شايف اللي بينا إيه
كريم اتكأ على الحاجز اللي على النهر وبص لعينها بثبات
أنا حاسس بإعجاب كبير قوي مش بس
تم نسخ الرابط