سكريبت ما وراء المحيط بقلم لبنى دراز
ما وراء المحيط
لطالما تأملت مياه البحر الواسعة وهي تمتد بلا نهاية تلامس المحيط وكأنها تهمس بأسرارها.
ترى ماذا يكمن خلفها هل هو الحلم المنتظر أم الکابوس المجهول النجاة أم الضياع
في أحد الأحياء الشعبية حيث تختلط رائحة الخبز الطازج المتصاعد من أحد المخابز بدخان المقاهي المتناثر في الهواء وحيث الأزقة الضيقة تضج بأصوات الباعة الجائلين. على إحدى الطاولات الخشبية المهترئة داخل مقهى بسيط الأضواء الخاڤتة تتراقص على وجوه الجالسين وأحاديث الرجال تتشابك مع صوت المذياع الذي يصدح بأغنية قديمة جلس الصديقان سالم شابا في منتصف العشرينيات طويل القامة نسبيا بجسد نحيل لكن متماسك كأن الحياة صقلته رغم قسۏتها وجهه لين الملامح عيناه السوداوان تحملان مزيجا من الحلم والضياع كأنهما تبحثان عن مخرج من دوامة الفقر والقيود التي تحاصره أما سليم فكان شابا في منتصف العشرينيات أيضا نحيل الجسد لكنه قوي الملامح يحمل وجهه ندوب التعب وأشعة أمل خجولة كأنه إنعكاس لسنوات عمره التي تناثرت في الورش والمخابز محاولا شق طريقه وسط قسۏة الحياة وهما يحملان بداخلهما هموما لاتنتهي وأحلاما لا تحصى لا يعلمان كيف يحققونها ظلا يتسامران سويا عما يدور بخلدهما.
كان سالم مستندا إلى كرسيه بإهمال يحدق في كوب الشاي أمامه وكأنما يبحث في قاعه عن مخرج من الضيق الذي يكبله زفر بضيق ثم ضړب بيده على الطاولة بخشونة وبنبرة مليئة ضيق ومرارة
والله الواحد اتخنق! تعبت من القعدة من غير شغل وكل يوم أمي تديني مصروفي زي العيال الصغيرة وانا راجل أطول منها
والله يا أخي بقيت حاسس إني بشحت منها وانا بمد إيدي أخد المصروف بدل ما أديها.
هز سليم رأسه بتنهيدة ثقيلة عاقدا ذراعيه فوق صدره وكأن جسده يشارك روحه في التعب حدق في الشارع الممتد أمام المقهى حيث الأطفال يركضون حفاة والباعة ينادون على بضائعهم بصوت مبحوح ثم قال بإحباط وبغصة في صوته ومين سمعك يا سالم أنا لفيت على كل شغلانة ممكن اشتغلها ما خليتش... مرة في ورشة مرة في فرن مرة في محل ملابس اهو بجيب مصاريفي عشان ما أطلبش من أبويا بس الفلوس اللي بتيجي ما بتكفيش كل حاجة بقت ڼار والعيشة بقت مستحيلة
أطرق سالم رأسه قليلا ثم رفع عينيه نحو السماء وكأنما يحاول أن يرى مصيره بين نجومها المتناثرة تمتم بصوت مملوء بالشوق لحياة لم يعشها بعد وبأمل ممزوج بالخيبة نفسي أهرب من هنا أروح أى بلد إيطاليا أمريكا مش فارقة المهم ألاقي شغل وأبني نفسي نفسي أتجوز هناء بنت خالي بدل ما هي مربوطة جنبي لا قادر أتقدملها ولا قادر أسيبها تشوف حالها!
نظر إليه سليم نظرة طويلة وكأنما يزن كلماته قبل أن ينطق بها ثم قال ببطء وكأنه يكشف له عن كنز مخفي
تصدق بالله يا سالم تاهت ولقيناها! الواد عمر ابن عم إبراهيم كان بيقول إن فيه واحد اسمه راغب بيسفر الناس لإيطاليا بس بياخد 100 ألف جنيه ويجيبلك عقد شغل مضمون هناك ده حتى عمر خلاص هيسافر عن طريقه تعالى نروح له واهو يا عم تقدر تتجوز بنت خالك اللى مجنناك دي
سالم الذي كان يترنح بين الأمل واليأس اتسعت عيناه للحظة قبل أن يطلق ضحكة ساخرة مريرة كمن سمع نكتة سوداء ثم قال بتهكم وحسرة هاهاا... 100 ألف! يا عم هو أنا لو معايا المبلغ ده كنت هبقى قاعد ع القهوة أستنى أمي تديني مصروفي!
لكن سليم لم يفقد حماسه مال نحوه قليلا وكأنما يوسوس له بفكرة قد تقلب حياتهما رأسا على عقب قائلا بإصرار
يا ابني اسمع مني تعالى بس نروح له ونتكلم معاه يمكن يطلع ابن حلال ويساعدنا... ممكن ياخد مقدم صغير والباقي نبقى نبعته لما نسافر ونشتغل!
كان عقل سالم يعمل بسرعة بين المنطق الذي يخبره بأن الأمر مستحيل والرغبة العارمة التي تجعله يرى أي فرصة كطوق نجاة لكنه سرعان ما هز رأسه بعناد ثم نهض من كرسيه ودس يديه في جيبيه بحسم لا يا عم عايز تروح انت روح أنا هرجع البيت أكيد أمي خلصت الغدا سلام!
تابعه سليم بعينيه يشاهده وهو يبتعد وسط زحام الشارع خطواته ثقيلة لكنها تحمل في داخلها صراعا لا يراه أحد زفر ببطء ثم أسند رأسه إلى الطاولة غارقا في دوامة من الأفكار ترى... هل يخاطر بنفسه ويذهب إلى راغب وحده أم يحاول إقناع سالم مرة أخرى
كانت الليلة قد بدأت تسدل ستائرها على الحي أما أحلامهما فعلى الرغم من ظلام الواقع كانت تتخبط بحثا عن شعاع نور في أفق مجهول...
____________________
في بيت سالم
في نفس الحي الشعبي حيث تتراص البيوت المتجاورة كأنها تشد بعضها بعضا وقف سالم أمام باب منزله المتواضع الذى تتدلى ستائره القماشية فوق مدخله بينما تعكس جدرانه القديمة حكايات العائلة التي سكنته لعقود كان المنزل صغيرا لكنه دافئ يضم غرفة معيشة بسيطة بها أريكة مهترئة لكنها تحمل دفء العائلة وطاولة خشبية في المنتصف تتوسط الغرفة وكأنها شاهد على أحاديث الأيام وذكرياتها في الزاوية كان هناك تلفاز قديم يعمل بصعوبة بينما تنبعث من المطبخ رائحة الطعام المنزلي التي تحمل معها إحساسا بالأمان رغم ضيق الحال دلف إلى المنزل لكن عقله ظل عالقا في حديث سليم تتصارع داخله الأفكار بين رغبته في الهروب من هذا الواقع الضيق وخوفه من المجهول الذي ينتظره هناك خلف البحار.
ما إن دخل حتى استقبلته والدته هنادي بلهجتها الحادة المعهودة لكن بعينين تحملان ألف سؤال وألف قلق قائلة طيب أرمى سلام ربنا ولا داخل كده كأنك داخل على يهود مش مسلمين
رفع رأسه كأنما استيقظ من شروده ثم تنهد وهو يخلع حذاءه عند الباب
معلش يا أمي سامحيني
تأملته للحظة فلاحظت شروده شحوب وجهه شيء ما يشغل فكره اقتربت منه ومسحت على كتفه بحنان
مالك يا ضنايا إيه اللي شاغل بالك مصروفك خلص يا حبيبي مش كده
هز سالم رأسه نافيا ثم جلس على الأريكة مطرقا برأسه معايا يا حبيبتي خيرك مغرقني... بس تعبت يا أمي من العوزة وقلة الشغل بصراحة بفكر أسافر برة يمكن ربنا يكرمني والحال يتبدل.
قطبت هنادي حاجبيها وعقدت يديها أمام صدرها فبدت عيناها تائهتين كأنها تحاول استيعاب فكرة سفره أو تبحث عن طمأنينة مفقودة بين كلماته
قائلة بنبرة يشوبها القلق والتوجس وهتلاقي مين بس يسفرك يا ابني ولا هتسافر فين وازاي
تنهد سالم وهو يمرر يده في شعره بتوتر ثم قال بصوت يحمل شيئا من التردد
مش عارف والله يا أمي بس سليم بيقول إن عمر ابن عم إبراهيم جارنا هيسافر عن طريق واحد اسمه راغب رايح إيطاليا.
خرج والده من الغرفة المجاورة بعد أن سمع حديثهما ظل يستمع بصمت حتى تحدث أخيرا بصوت حمل نبرة القلق أكثر من الڠضب وده تبع شركة سياحة يا ابني ولا تبع السفارة ولا إيه بالظبط فهمني.
تردد سالم ثم قال
بصراحة مش عارف يا بابا بس سليم بيقول إن الراجل ده بياخد 100 ألف جنيه مقابل العقد والسفر.
نظر حسن إلى ابنه طويلا وكأنما يحاول قراءة ما يدور