سكريبت ما وراء المحيط بقلم لبنى دراز
المحتويات
التجول في الشوارع بحثا عن فرصة عمل لم يكن الهدف منها وظيفة مستقرة بقدر ما كان محاولة لتوفير ما يكفي لجلسة المساء في المقهى حيث ېقتلان الوقت بين لعبة النرد وأحاديث عابرة عن المستقبل الذي بدا بعيد المنال جلسا إلى طاولتهما المعتادة وأمامهما أكواب الشاي التي بدأ سطحها يبرد بينما يملآن الجو بأنفاس ثقيلة مزيج من الإرهاق والأمل الخاڤت حيث تصاعد الدخان في الهواء مختلطا بأصوات الباعة في الخارج وضجيج الحياة الرتيبة.
تنهد سالم وأسند مرفقه على الطاولة وهو يحرك الملعقة داخل كوبه ينظر إلى سليم بنظرة جانبية قبل أن يقول بصوت خاڤت لكنه مشحون بالتردد
أسكت يا سليم بقول لأبويا عن كلامك ع السفر وعن الراجل اللي اسمه راغب ده.
اعتدل سليم في جلسته على الفور وكأن الكلمات قد نبهته من سباته تسللت الحماسة إلى ملامحه وهو يسأل بترقب
وبعدين قالك إيه وافق مش كده
لم يرد سالم بسرعة لكنه أدار الملعقة ببطء داخل الكوب قبل أن يضعها على الطاولة وهو يرمي حجر النرد
أبويا ما عندوش اعتراض على السفر.. بس مش مع الراجل ده قال لي أقدم تبع الحكومة.
انعقد حاجبا سليم ونقر بأصابعه على الطاولة بإيقاع سريع ينم عن ضيقه
يا عم هى الحكومة بتسفر حد الأيام دي
رفع سالم كتفيه وهو يرد بنبرة حاول أن تبدو مقنعة
أيوه يا ابني تبع وزارة القوى العاملة والهجرة بندخل بياناتنا على النت ونتابع لغاية ما ربنا يكرم.
قهقه سليم ضاحكا وهو يلوح بيده في الهواء
ده انت رايق يا عم سالم! يوم الحكومة بسنة يا ابني هو انت فاكر هتقدم النهارده وتسافر بكرة
هز سالم رأسه وارتشف رشفة صغيرة من الشاي قبل أن يرد بصبر نافذ
هو احنا ورانا إيه يعني أهى كده قعدة وكده قعدة على الأقل يبقى في حاجة تشغل تفكيرنا بدل الفراغ اللي إحنا فيه ده.
لم يكن سليم من النوع الذي يحتمل فكرة الانتظار زفر بحدة وهو يسحب سېجارة من علبته ويشعلها ثم قال وهو ينفث الدخان ببطء
لا يا عم أنا ما عنديش طولة بال زيك أنا هروح أشوف عمر يوصلني براغب وإن شاء الله أسافر عن طريقه.
قطب سالم جبينه وأسند ظهره إلى الكرسي وهو يراقب سليم بصمت لثوان قبل أن يقول بنبرة مشوبة بالقلق
يا ابني اسمع مني خليك في السليم وتعالى نقدم تبع الحكومة أحسن وسيبك من الراجل ده! ده على رأي أبويا شكله واخدها تجارة وبيتاجر في المۏت!
ضحك سليم بسخرية وأطفأ سيجارته قبل أن يميل للأمام مستندا بكوعيه إلى الطاولة وهو يهمس بمكر
لا يا سيدي خليك انت في طريقك السليم ياخويا وسيبني أنا للطريق السريع! يا ابني ده أنا هسافر وأشتغل وأكسب وهارجع كمان أجازة وتكون انت لسه ما سافرتش ولا حتى الحكومة ردت عليك!
شعر سالم بوخزة في صدره لكنه أبعدها سريعا يعلم أن صديقه عنيد ولا يسمع إلا ما يريد ومع ذلك لم يستسلم مال نحوه محاولا إقناعه للمرة الأخيرة
يا ابني اسمع مني.. سيبك من الطريق ده عشان ما تندمش في الآخر.
لكن سليم كان قد حسم أمره ضړب الطاولة بكفه وهو يقول بإصرار
اسمعني انت يا سالم خليك معايا ونسافر سوا يا ابني أسهل وأسرع!
هز سالم رأسه ببطء ثم ابتسم ابتسامة خفيفة تحمل في طياتها قلقا دفينا
لا يا عم خليك انت في طريقك السريع وسيبني أنا في الطريق المضمون ده على رأي أمي بتقول دايما في التأني السلامة وفي العجلة الندامة.
ساد الصمت للحظات بينهما قبل أن يميل كل منهما إلى الخلف كل واحد منهما غارق في أفكاره الخاصة وهكذا في تلك الليلة خرج كل منهما من المقهى وقد حسم أمره غير مدركين أن قراراتهما تلك ستحمل لهما مصائر لم يكن أي منهما يتوقعها.
_____________________
في بيت سالم
عاد سالم إلى منزله وجلس مع والده ليخبره بقراره بالتقديم على السفر إلى إيطاليا عبر موقع وزارة الهجرة على الإنترنت كان يشعر بمزيج من الحماس والقلق فهذه الخطوة قد تكون بداية جديدة لحياته لكنها في الوقت ذاته مجهولة المصير.
رفع حسن رأسه ببطء حدق في ابنه للحظات ثم قال بصوت هادئ لكنه يحمل الكثير من التساؤلات
طيب يا ابني كويس... بس عرفت إيه الأوراق المطلوبة عشان تعرف تقدم
عدل سالم جلسته وأراح كفيه على ركبتيه ثم أجاب بثقة
حاليا مش مطلوب غير إني أدخل بياناتي الشخصية على الموقع الإلكتروني وأحدد موقفي من الجيش وأكتب رقم جواز السفر وبعدها هستنى لحد ما يردوا عليا.
هز حسن رأسه بتفهم ثم قال بنبرة مشجعة
وماله قدم يا ابني وربنا يوفقك... واللي رايده ربك هيكون إن شاء الله.
شعر سالم براحة غريبة تغمره رغم التوتر الذي لم يفارقه لكنه كان بحاجة لدعم والده أكثر من أي شيء آخر نظر إليه بعينين ممتلئتين بالامتنان ثم قال
ادعيلي يا أبو سالم.
وضع حسن يده على كتف ابنه وربت عليه بحنان ثم قال بصوته العميق الذي اعتاد سالم أن يستمد منه الطمأنينة
داعيلك يا بني وراضي عنك... ربنا يوفقك يا حبيبي.
لم يتردد سالم في الانحناء ليقبل يد والده بحب واحترام وقال بحرارة
ربنا يبارك لنا فيك يا حج وما يحرمناش منك ولا من دعواتك ورضاك علينا.
بينما كان المشهد يسوده جو من الألفة خرجت هنادي من المطبخ وعينيها تحملان قلق الأمهات المعتاد
بس يا بني إنت ما عندكش باسبور هتقدم إزاي
ضحك سالم بخفة محاولا طمأنتها وقال بثقة
ما تقلقيش يا ست الكل إن شاء الله بكرة الصبح هروح إدارة الجوازات وأطلع الباسبور وأقدم بيه... بس إنت ادعيلي وهتفرج بإذن الله.
رفعت هنادي كفيها بالدعاء وهي ترد بحماس
دعيالك يا بني يسعدك ويجعل في وشك القبول ويفتح لك كل باب مقفول ويهدي عليك خلقه ببركة ربنا وبركة الصلاة على الرسول... عليه أفضل الصلاة والسلام.
أغمض سالم عينيه للحظة مستشعرا بركة دعائها ثم قال بابتسامة خاشعة
الله.. يا أم سالم أحلى دعوة.. ربنا يقبل منك يا رب اللهم آمين.
نظرت هنادي إلى حسن بنظرة جانبية ماكرة ثم قالت وهي تخفي ابتسامتها
اسكت يا حسن مش إبراهيم وعياله جايين يوم الجمعة وهياخدوا يومين عندنا.
انتبه حسن لما قالته زوجته فأدار رأسه نحوها ببطء ثم قال متسائلا وهو ينقل نظراته إلى سالم
بجد طيب كويس إنك قولتي عشان نعمل حسابنا... بس يا ترى هناء جاية معاهم ولا إيه
ضحكت هنادي بخبث وردت بحزم مصطنع
أنا ياخويا شرطت عليه ما يجيش من غير حبيبة عمتها.
جلس سالم يستمع الى حديث والديه لكن عقله كان في مكان آخر... لم يكن بحاجة إلى سماع اسمها فهو محفور في أعماقه... تلك الفتاة التي سكنت قلبه دون إذن وأصبحت روحه لا تعرف الطمأنينة إلا بها لكنها كانت أيضا الحلم البعيد الأمنية العالقة بين ضيق الحال وقلة الفرص الحلم الذي يخشى أن يضيع منه كما ضاع غيره
عندما جاء ذكرها تجمدت أنفاسه في صدره كأن الزمن توقف للحظة حاول أن يخفي اضطرابه خفض رأسه ببطء شبك أصابعه ببعضها بقوة كأنه يحاول أن يتمسك بشيء وسط الفراغ الذي يحاصره لكن عقله لم يرحمه كان يعيد عليه ذات الحقيقة
متابعة القراءة