سكريبت ما وراء المحيط بقلم لبنى دراز
اكتفى بجملة واحدة حملت في طياتها كل شيء
خليك على العهد وافتكر إن إحنا مستنيينك.
أغلق سالم الهاتف ثم نظر من نافذته إلى الشوارع المزدحمة أسفل المبنى حيث يقف هنا يبدأ مستقبله.. لكنه في أعماقه يعلم أن قلبه ما زال هناك في وطنه حيث ينتظره من يحبونه.
أما سليم عندما وطأت قدماه سطح المركب أدرك سريعا أنه في مأزق لا خروج منه المركب كان مزدحما فوق طاقته يتأرجح تحت ثقل الأجساد المتكدسة والحمولة الزائدة لكن العودة لم تكن خيارا والخۏف لم يكن رفاهية مسموحة حاول إقناع نفسه بأن الأمور ستسير على ما يرام رغم أن كل شيء من حوله كان ېصرخ بالعكس
الأمواج العاتية الهواء المالح الذي يلسع وجهه والوجوه الشاحبة من حوله كانت شاهدة على رحلة محفوفة بالمجهول لم يكن يدرك أن الأسوأ لم يأت بعد عند اقتراب المركب من الحدود الإيطالية وقف رجال راغب أمامهم بوجوه خالية من الرحمة يلقون الأوامر كما لو كانوا يطردون حمولة زائدة بلا قيمة فأشار أحد الرجال بحدة إلى القارب الصغير المتأرجح وسط الأمواج ثم الټفت إلى سالم ومن معه يعلن بصوت صارم أن عليهم النزول في هذا المكان لم يكن هناك مجال للاعتراض فمصيرهم بات معلقا على أمواج البحر من يصل إلى الشاطئ فقد كتب له النجاة ومن تبتلعه المياه فلن يكون سوى رقم جديد في قائمة المفقودين.
تسارعت أنفاس سليم وارتفع صوته وهو يحدق في الرجل أمامه بعينين ممتلئتين بالذهول والذعر. جسده ارتجف رغم حرارة الموقف وكأن صقيع البحر تسلل إلى عظامه قبل أن يلامس مياهه. خطا خطوة للأمام يلوح بذراعيه بانفعال قبل أن يهتف بصوت مخټنق
إزاي يعني ننط ف عرض البحر! دا كدا اڼتحار!
أجابه الرجل ببرود قاټل
دي الأوامر.. هو كدا النظام! ويلا بقى متعطلناش خلينا نرجع نجيب الفوج اللي بعدكم.
تجمد سليم للحظة نظراته تائهة بين البحر الواسع والقارب المهترئ وبين الرجال المسلحين الذين لا مجال لمناقشتهم شعر أن المۏت يحدق به من كل جانب لكن لم يكن أمامه سوى الامتثال استسلم للأمر الواقع ونزل كما نزل الآخرون رغم أن صوته الداخلي كان ېصرخ كان لازم تسمع كلام سالم.. كان لازم تفهم أن راغب بيتاجر في المۏت!
قلبه يخفق بقوة وكأن ضلوعه تضيق على روحه وعقله يرفض استيعاب المصير الذي يدفع إليه قسرا كان الندم ينهش قلبه كلما تذكر كلمة صديقه لكنه لم يعد يجدي نفعا الآن عليه أن يقاتل من أجل حياته أن يتمسك ولو بخيط واه من الأمل وما إن أبحر القارب الصغير حتى بدأ يتمايل پجنون مع الأمواج الهائجة وكأن البحر يرفض حملهم أو ربما كان يعاقبهم على سعيهم خلف الحلم بطريقة خاطئة
لم تمر سوى لحظات حتى تسللت المياه إلى داخله باردة كالمۏت غادرة كالوهم تعالت صرخات الركاب كل منهم يحاول التشبث بالحياة كيفما استطاع لكن الفوضى كانت أسبق منهم في غمضة عين انقلب القارب وابتلع البحر الجميع في جوفه المظلم.
راح سليم يعافر يحاول أن يعوم لكن الړعب شل أطرافه والماء البارد صار كيد جبارة تسحبه إلى القاع الهواء يضيق في رئتيه والموج يصفعه بلا رحمة من حوله أجساد تتخبط بعضها يستسلم سريعا وبعضها ما زال يحاول النجاة لكنهم جميعا يعلمون أن المصير واحد.
في تلك اللحظة لم يكن المۏت فكرة بعيدة ولا احتمالا مستبعدا بل كان حاضرا أمامه يحدق في عينيه بلا هوادة يقترب منه كما لو أنه يعرفه منذ زمن أدرك حينها فقط أنه ارتكب أكبر خطأ في حياته وأن النهاية كانت محتومة منذ اللحظة التي اختار فيها الطريق الخطأ وعلم أن الطريق المستقيم هو أقصر الطرق وصولا الى الهدف لكنه لم يدرك ذلك.. إلا وهو يغرق.
وبذلك عزيزي القارئ
إن لكل طريق نختاره في الحياة عواقبه الحتمية فحينما تسير في درب خاطئ لا تتوقع أن تصل إلى نهاية مختلفة عن الفشل أو الضياع قد لا يكون المۏت دائما نهاية جسدية لكنه قد يكون مۏتا من نوع آخر مۏت الضمير حين تعتاد الخطأ حتى يصبح جزءا منك أو مۏت الروح حين تفقد ذاتك وسط زحام الندم والخيبات فتعيش جسدا بلا معنى تتنفس لكنك لا تحيا وعلى النقيض فإن الطريق المستقيم وإن بدا أطول أو أكثر صعوبة هو السبيل الوحيد إلى النجاة هو الذي يمنحك راحة الضمير وسکينة القلب والطمأنينة بأنك لم تظلم أحدا ولم تظلم نفسك. فلا تستسهل الطرق الملتوية فإنها وإن بدت مغرية في البداية لن تقودك إلا إلى الهاوية.
كما يقولون امش عدل يحتار عدوك فيك. فالنقاء في المسير هو ما يمنحك القوة وما يبني لك طريقا لا تخشاه العثرات.
ما وراء المحيط بقلمي____لبنى دراز
تمت بحمد الله