سكريبت ما وراء المحيط بقلم لبنى دراز
المحتويات
القاسېة لا يملك ما يكفي ليطلبها... لا يملك سوى قلبه وهل القلب وحده يكفي
تنهيدة طويلة أفلتت منه وكأنها تحمل كل الخذلان كل الانتظار كل الأحلام التي كاد يفقدها رفع رأسه قليلا نظر إلى الفراغ أمامه وكأنه يرى مستقبلا مجهولا ثم همس بصوت لم يكن سوى وعد قطعه لنفسه
هانت يا هناء... إن شاء الله ربنا يوفقني وأول حاجة هعملها... هطلب إيدك.
____________________
في بيت سليم
عاد سليم إلى المنزل بخطوات ثقيلة ألقى بجسده على الأريكة حدق في السقف بشرود ثم زفر بضيق لم يعد يحتمل الانتظار أكثر هذه الحياة ټخنقه والفرص هنا تبدو وكأنها تنكمش يوما بعد يوم حتى تكاد تختفي مد يده إلى هاتفه واتصل بصديقه عمر لعله يكون مفتاحه للخروج من هذا القفص
ألو عمر... عامل إيه
عمر بلهجة مرحة
سليم! حبيب قلبي فينك مختفي ليه وعامل ايه
سليم بصوت يحمل ضيقا الحمد لله يا عمر بس زهقت من قلة الشغل! بقولك إيه ما توصلني بالراجل اللي اسمه راغب ده أنا عايز أسافر إيطاليا أشتغل بدل القعدة اللي مالهاش آخر دي!
عمر
تمام ياعم وماله! أنا أصلا رايح له كمان ساعة تعال معايا ونكلمه عليك.
سليم بحماس ممزوج بالقلق تمام يا عمور ساعة زمن وتلاقيني عندك يلا سلام!
أغلق الهاتف لكنه ظل جالسا للحظات وكأن جسده لم يستوعب بعد أنه قد يجد فرصة حقيقية للخروج من هذا الواقع الكئيب نهض فجأة وكأن ڼارا اشتعلت داخله وقام بتغيير ملابسه بسرعة قبل أن يغادر يتشبث بهذا الأمل الذي قد يكون الأخير.
في مكتب راغب
عندما دخل سليم مع عمر إلى مكتب راغب شعر بشيء غريب وكأن المكان نفسه ينبض بالخطړ كانت الغرفة فسيحة لكنها كئيبة أضواؤها خاڤتة وجدرانها بلون رمادي قاتم مكتب ضخم يتوسطها مصنوع من خشب ثقيل تعلوه طبقة زجاجية تعكس الإضاءة الصفراء المتدلية من السقف.
خلف المكتب جلس راغب متكئا على كرسي جلدي أسود ساقه فوق الأخرى يلف سېجارا ببطء بين أصابعه رجل في منتصف الأربعينات بشرته داكنة كأنما احټرقت من شمس الصحارى عيناه ضيقتان تلمعان بمكر واضح وكأنهما تزنان كل من يقف أمامه تقرران إن كان يستحق الثقة... أو الاستغلال.
على جانبي المكتب وقف رجلان ضخمان بذراعين معقودتين أمام صدورهما ملامحهما جامدة كأنهما تماثيل لكن نظراتهما تقول إنهما جاهزان للتحرك في أي لحظة.
أقترب عمر بابتسامة حذرة وهو يمد يده لمصافحته
مساء الخير يا راغب بيه.
راغب دون أن يتحرك
أهلا يا عمر اتفضل.
جلس عمر بينما بقي سليم واقفا للحظات قبل أن يلحق به.
أخرج عمر ظرفا مغلقا وضعه بهدوء أمام راغب
جبت لك الفلوس والورق اللي طلبته مني اتفضل.
أخذ راغب الظرف فتحه ببطء أخرج الأوراق قلبها بعينيه السريعتين ثم أومأ برأسه برضا قبل أن يدسها في درج مكتبه قائلا ببرود
تمام يا عمر كده كل حاجة جاهزة فاضل بس تعرف ميعاد السفر.
عمر بتردد واضح طيب يا راغب بيه... عندي طلب صغير.
رفع راغب حاجبا واحدا وأشعل سېجاره أخيرا سحب نفسا عميقا ثم نفث الدخان ببطء وكأن صبره محدود
خير يا عمر
عمر مشيرا إلى سليم
أخويا وصاحبي سليم عايز يسافر بس ظروفه ع القد وطمعان ف كرم حضرتك.
توجهت نظرات راغب إلى سليم مباشرة حدق فيه كالصياد الذي يقيم فريسته ثم قال ببرود أنت عارف النظام يا عمر.
سليم بصوت يائس متوسلا أرجوك يا بيه ظروفي صعبة مقدرش أدبر المبلغ كله دلوقتي.
راغب بابتسامة جانبية ساخرة وتقدر تدبر قد إيه
سليم بتردد يعني... لو نص المبلغ حتى والباقي لما أسافر إن شاء الله هبقى أبعته لك.
ساد الصمت للحظات تبادل راغب النظرات مع أحد رجاله الواقفين بجواره ثم مال للأمام واضعا مرفقيه على المكتب وهو يحدق في سليم وكأنه يستطيع أن يرى من خلاله ببطء شديد
عشان خاطر عمر بس هقبل بنص المبلغ لكن متتأخرش عليا في الباقي فاهمني
شعر سليم بقشعريرة تسري في عموده الفقري لكنه أخفى ارتجافة يده وهو يمدها نحو راغب ليصافحه بامتنان وسعادة مشوبة بالحذر
فاهم فاهم شكرا يا بيه وصدقني مش هتأخر عليك اول ما اشتغل هبعتلك الباقي ع طول.
راغب بابتسامة غامضة
يبقى هات لي باسبورك وصورة بطاقتك ومتقلقش... هتسافر.
أنهى سليم مقابلته وهم بالانصراف لكنه فجأة شعر بوخزة غامضة في صدره كأن شيئا ما يحاول تحذيره توقف للحظة عند الباب ألقى نظرة خاطفة على راغب الجالس خلف مكتبه بعينين تخفيان أكثر مما تظهران لم يستطع تفسير ذلك الشعور الثقيل الذي اجتاحه لكنه كان أشبه بتنبيه خفي... كأن الاتفاق الذي أبرمه لم يكن كما يبدو وكأن الثمن الذي سيدفعه قد يكون أكثر مما توقع لكنه تجاهل هذا الشعور مرددا في داخله أنها مجرد اوهام.
في مصلحة الجوازات
في صباح اليوم التالي وقف سليم أمام إدارة الجوازات يتأمل ذلك المبنى العتيق الذي شهد آلاف الأحلام المعلقة أخذ نفسا عميقا كأنه يستعد لعبور بوابة القدر ثم تقدم بخطوات ثابتة كأن كل خطوة تقربه أكثر من مستقبله المجهول.
داخل المصلحة لمح سالم وسط الزحام وكأن القدر شاء أن يجمعهما مرة أخرى كرفيقين في رحلة محفوفة بالمجهول تبادلا نظرات صامتة تفهما منها ما لم تقله الكلمات كأنهما يعلمان أن الطريق الذي يسلكانه لن يكون سهلا لكنه الخيار الوحيد المتاح... خيار لم يعد بإمكانهما التراجع عنه.
بعد ساعات من الانتظار خرج سليم وهو يمسك بجواز سفره الجديد تأمله طويلا ضغط عليه بقوة وكأنه يخشى أن يستيقظ ليجد أنه كان مجرد حلم.
______________________
في بيت سالم
عندما استلم سالم جواز سفره شعر بثقل غريب في يديه وكأن هذه الوثيقة الصغيرة تحمل كل مستقبله لم يكن هناك وقت للتردد فسارع بتقديم طلبه للسفر عبر وزارة الهجرة مترقبا الرد بين الأمل والقلق ومرت الأيام كأنها دهور حتى جاءه الخبر الذي انتظره بشغف... تمت الموافقة على سفره وحددوا له موعد الرحيل لم يضيع لحظة واحدة بدأ بحزم أمتعته كل قطعة ملابس كان يطويها كانت تحمل معها ذكرى من ذكرياته كل طية تخبئ بين ثناياها جزءا من حياته التي يوشك على تركها وراءه الغرفة التي احتضنته منذ طفولته صوت أمه تناديه من المطبخ رائحة أبيه بعد عودته من العمل كلها أشياء لم يكن يدرك قيمتها إلا الآن وقف عند الباب ليجد أمه تنظر إليه ودموعها تتلألأ في عينيها تحاول أن تتماسك لكنها تفشل وبنبرة بصوت مرتعش خلاص يا ابني نويت
ابتلع سالم غصته وحاول أن يبدو ثابتا لكنه لم يستطع منع صوته من أن يخرج دافئا مشحونا بالمشاعر
ادعيلي يا أمي إن شاء الله بدعواتك ربنا يفتحها علي وأقدر أعوضك إنتي وأبويا عن كل سنين التعب والشقى اللي عشتوها.
أخذت نفسا عميقا كأنها تحاول أن تملأ رئتيها بوجوده قبل أن يغادر وبنبرة رضا
دعيالك يا بني قلبي وربي راضين عنك يا نور عيني.
تردد سالم للحظة ثم نظر إليها نظرة حاسمة وكأن هذا القرار الذي اتخذه لم يكن كاملا دون أن يخبرها بابتسامة خاڤتة يسلملى دعاكي يا أمي ان شاء الله أول ما أظبط أموري هناك هبعتلك تكلمي خالي... عشان هناء.
اتسعت عيناها رغم الدموع التي لم تجف بعد وكأن
متابعة القراءة