سكريبت ما وراء المحيط بقلم لبنى دراز
المحتويات
قلبها وجد عزاءه وسط هذا الوداع بصوت يحمل رجاء وفرحة خجولة فرحتني يا بني بالخبر الحلو ده سافر يا نور عيني ولما ترجع بالسلامة ان شاء الله مجبور الخاطر هكون كلمت خالك وتتجوزوا على طول.
أمسك وجه أمه بين يديه بحنان وعيناه تتفحصان ملامحها كأنما يحاول نقشها في ذاكرته للأبد ثم طبع قبلة طويلة فوق جبينها يشبع روحه برائحتها الدافئة يستنشقها وكأنه يخزن أنفاسها في صدره ليتزود بها في غربته ثم بانحناءة مفعمة بالاحترام والحب أمسك يدها بين راحتيه وقبلها ببطء وكأنه يبث فيها آخر جزء من روحه قبل أن يرحل يترك فيها أثره الذي لن يمحوه الزمن يهمس في صمت بأنه سيعود ولو بعد حين ثم اتجه إلى والده صافحه بقوة وكأنما يحاول أن ينقل إليه شجاعته لكن الأب لم يكتف بذلك بل جذبه نحوه في احتضان دافئ احتضان رجل يحاول إخفاء مشاعره بصعوبة لكنه فشل أمام لحظة الوداع شعر بقوة ذراعي والده التي تحمل في طياتها خوفا خفيا دعوات غير منطوقة ووصايا كثيرة لم تجد طريقها إلى الكلمات ربت الأب على كتفه بقوة كأنه يخبره دون أن ينطق كن قويا لا تنس من أنت ولا تنس أننا في انتظارك.
حمل سالم حقيبته وأخذ نفسا عميقا ثم استدار نحو الباب لم يلتفت خلفه مرة أخرى فلم يكن قادرا على ذلك خرج مسرعا إلى العالم المجهول إلى الرحلة التي لا يعلم ما تخبئه له لكنه سار بخطوات ثابتة وعلى شفتيه دعاء واحد وهو أن يعود مجبور الخاطر.
______________________
في بيت سليم
وقف سليم أمام والده بعد أن تسلم جواز سفره عيناه تحملان امتنانا لا تسعه الكلمات الرجل الذي ضحى بكل ما يملك باع الأرض التي أفنى عمره في زراعتها فقط ليمنحه فرصة لحياة أفضل.
نظر محمود إلى ابنه بعينين مثقلتين بالهموم وبصوت متهدج محمل بالرجاء
يا سليم يا ابني أنا بعت لك قيراط الأرض اللي كنت شايله للزمن عشان جهاز إخواتك البنات... أوعى تنسانا لما تسافر إحنا ما لناش غيرك بعد ربنا يا ابني.
شعر سليم بوخز الألم في صدره لكنه تماسك وضع يده فوق يد والده وضغط عليها مطمئنا
صدقني يا أبا كل ده عشانكم عشان نعيش كويس ونبقى مرتاحين.
لكن الكلمات وحدها لم تكن كافية لطمأنة قلب أمه التي ظلت تراقبه بعينين دامعتين خۏفها لم يكن مجرد قلق أم على ابنها المسافر بل إحساس داخلي يشبه الفقد تقدمت نحوه وضعت يدها فوق صدره وكأنها تحاول أن تحفظ دفء وجوده قبل أن يختفي وبقبضة قلب أم تخشى الفقد
ربنا يوسع عليك يا ابني ويرزقك بالرزق الحلال ويردك لنا سالم غانم.
مد يده ليقبل يدها لكنه لم يستطع منع نفسه من احتضانها غاص في دفئها للحظة وكأن رائحتها كانت آخر خيط يربطه بهذا المكان وبصوت مخټنق
تسلميلي يا أما... ويسلملي دعاكي هو اللي هيسندني في الغربة.
بعدها خرج سليم متجها إلى مكتب راغب يحمل بين يديه ثمن الأرض ثمن أحلام عائلته المعلقة على أمل سفره حيث وضع مصيره بين يدي رجل يعرف تماما كيف يستغل حاجات الناس.
أستقبله راغب بابتسامة جانبية وكأنه يحكم قبضته على فريسته ثم قال بثقة
كدا تمام يا سليم خلاص كام يوم وهتكون مسافر جهز شنطتك وهكلمك وقت التحرك.
سليم بثقة ظاهرية تخفي قلقه تشكر يا راغب بيه وأول ما تستقر أموري هبعت لك باقي المبلغ.
راغب بضحكة باردة تفضح خبثه
ولا يهمك.. المهم توصل بالسلامة الأول.
غادر سليم المكتب شعر أن الهواء من حوله بدا أثقل كأن المدينة بأكملها تحاول منعه من الرحيل لكنه تجاهل كل شيء وعاد إلى بيته ليحزم أمتعته.
وفي الليلة التي سبقت الرحيل جلس سليم وسط حقيبته المفتوحة عيناه تجولان في أركان البيت الذي نشأ فيه البيت الذي لم يكن يوما واسعا لكنه كان دافئا... ترى هل سيعود إليه يوما
وفي الصباح وقف أمام عتبة البيت يحمل حقيبته بيديه وقلبه بين يدي أهله والده تقدم نحوه وضع يده على كتفه ثم جذب رأسه ليقبل جبينه بحنان الأب الذي يخشى أن لا يحتضن ابنه ثانية وبصوت مكسور يثبت نظره في وجه ابنه وكأنه يريد أن يحفره في ذاكرته تروح وترجع بالسلامة يا سليم.
لم يستطع سليم الرد فقط هز رأسه ثم الټفت إلى والدته التي لم تعد قادرة على كبح دموعها أمسكت بكفه شدت عليه كأنها تحاول منعه من الذهاب بلهفة مخڼوقة
أمانة يا ضناي لما توصل تطمني عليك.. ما تسيبنيش بالي مشغول.
ضم وجهها بين راحتيه برفق كأنما يحاول أن يحفظ ملامحها في ذاكرته للأبد ثم طبع قبلة دافئة على جبينها قبل أن ينحني ويودع كفها بقبلة امتزجت بحزن صامت وكأنه يترك معها آخر نبض من قلبه قبل أن يمضي ثم استدار ليخطو خطواته الأولى مبتعدا لكن قدميه كانت ثقيلة وكأن الأرض ترفض أن تتركه يذهب قبل أن يختفي ألقى نظرة أخيرة فوجد والدته تبكي بصمت ووالده ينظر إليه بعينين جامدتين لكنه كان يعرف أنه يكتم دموعه بالقوة.
تجاهل سليم إحساسا جاثما فوق صدره يخبره أن هذه قد تكون المرة الأخيرة التي يراهم فيها ثم مضى في طريقه إلى النقطة التي حددها له راغب حيث سينتظر هو ومجموعة أخرى استعدادا للرحلة التي لا يعلم هل ستكون طريقا إلى المستقبل.. أم طريقا بلا عودة.
انطلق كل من سالم وسليم في طريقهما نحو الهجرة لكن شتان بين الطريقين
سالم سار في طريق قانوني آمن خطط له بعناية تحمل فيه مشقة الغربة لكنه حمل معه الأمل أما سليم فاختار طريقا محفوفا بالمخاطر طريقا رسمه الطمع واستعجال الحلم دون أن يدرك أنه قد يكون بلا عودة.
كلاهما حمل حقيبته غادر وطنه ترك خلفه أهلا وأحبة لكن أحدهما سار بخطوات ثابتة فوق أرض صلبة بينما الآخر كان يسير فوق مياه مضطربة لا يعلم إن كانت ستوصله إلى بر الأمان أم ستبتلعه إلى الأبد.
وصل سالم أخيرا إلى وجهته بعد رحلة طويلة حملت بين طياتها القلق والتوتر لكنه ما إن وطأت قدماه الأرض الجديدة حتى شعر وكأنه يعبر إلى عالم مختلف تماما الهواء مختلف المدينة تعج بالحياة والفرص تبدو وكأنها تنتظره ليقتنصها
استلم عمله وبدأ يتأقلم شيئا فشيئا رغم الحنين الذي كان يعتصر قلبه كل ليلة إلا أن عزيمته كانت أقوى من أن يتراجع كان يدرك أن عليه أن يصمد أن يواجه العواصف بكل ما أوتي من قوة أن يثبت لنفسه قبل الآخرين أنه ليس ضعيفا أنه قادر ع أجتياز المحڼة وتحمل مشقات الغربة وتحقيق أحلامه.
فكان أول ما فعله بعد استقراره هو الاتصال بوالدته صوتها المشتاق ملأ أذنيه قبل أن تنطق بكلمة واحدة وبابتسامة مطمئنة
أنا بخير يا أمي الحمد لله وصلت واستلمت الشغل الأمور بتتحسن يوم بعد يوم ما تقلقيش.
كان يعلم أنها لن تكف عن القلق مهما حاول طمأنتها لكنها مع ذلك شعرت ببعض الراحة لسماع صوته أما والده فلم يكن من الرجال الذين يعبرون عن مشاعرهم بالكلمات لكنه في تلك اللحظة وبعد أن استلم الهاتف من زوجته
متابعة القراءة